الشيخ محمد رشيد رضا
212
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 194 ) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 195 ) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * * * لما خرج المؤمنون مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للنسك عام الحديبية صدهم المشركون وقاتلوهم رميا بالسهام والحجارة ، وكان ذلك في ذي القعدة من الأشهر الحرم سنة ست ، ولو قابلهم المسلمون عامئذ بالمثل ولم يرض النبي بالصلح لاحتدم القتال ، ولما خرجوا في العام الآخر لعمرة القضاء ، وكرهوا قتال المشركين وان اعتدوا ونكثوا العهد في الشهر الحرام ، بين لهم أن المحظور في الأشهر الحرم إنما هو الاعتداء بالقتال دون المدافعة ، وأن ما عليه المشركون من الاصرار على الفتنة وإيذاء المؤمنين لأنهم مؤمنون هو أشد قبحا من القتل لإزالة الضرر العام وهو منعهم الحق وتأييدهم الشرك . ثم بين قاعدة عظيمة معقولة وهي أن الحرمات أي ما يجب احترامه والمحافظة عليه يجب أن يجري فيه القصاص والمساواة فقال الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ذكر هذه القاعدة حجة لوجوب مقاصة المشركين على انتهاك الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل ، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقا . وفي جملة : والحرمات قصاص . من الايجاز ما ترى حسنه وابداعه . ثم صرح بالامر بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة وان كان يفهم مما قبله لمكان كراهتهم للقتال في الحرم والشهر الحرام فقال تفريعا على القاعدة وتأييدا للحكم فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وانما يتحقق هذا فيما تتأتى فيه المماثلة ، وسمى الجزاء اعتداء للمشاكلة ، وقد استدل الإمام الشافعي بالآية على وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل به بأن يذبح إذا ذبح ، ويخنق إذا خنق ، ويغرق إذا أغرق ، وهكذا . وقال مثل ذلك في الغصب